صديق الحسيني القنوجي البخاري
88
فتح البيان في مقاصد القرآن
شيء نسبه اللّه إلى غير أهل الإسلام مثل خاسر ومسرف وظالم ومجرم وفاسق فإنما يعين به الكفر ، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذم . كَيْفَ هو للسؤال عن الأحوال ، والمراد هنا الأحوال التي يقع عليها الكفر على الطريق البرهاني من العسر واليسر والسفر والإقامة والكبر والصغر والعز والذل وغير ذلك ، وهذا الاستفهام هو للإنكار عليهم والتعجيب من حالهم ، وفيه تبكيت وتعنيف لهم تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ بعد نصب الدلائل ووضع البراهين الدالة على وحدانيته ، والخطاب على طريقة الالتفات ثم ذكر الدلائل فقال : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً يعني نطفا في أصلاب آبائكم وعلقا ومضغا فَأَحْياكُمْ يعني في الأرحام ينفخ الروح وفي الدنيا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ أي عند انقضاء آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بالنشور يوم نفخ الصور ، واختلف المفسرون في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين ، والحاصل أن المراد بالموت الأول العدم السابقة ، وبالحياة الأولى الخلق ، وبالموت الثاني الموت المعهود ، وبالحياة الثانية الحياة للبعث ، فجاءت الفاء وثم على بابيهما من التعقيب والتراخي على هذا التفسير ، وهو أحسن الأقوال ، وقد ذهب إلى هذا جماعة من الصحابة فمن بعدهم . قال ابن عطية : وهذا القول هو المراد بالآية وهو الذي لا محيد للكفار عنه ، وإذا أذعنت نفوس الكفار بكونهم كانوا معدومين ثم أحياء في الدنيا ثم أمواتا فيها لزمهم الإقرار بالحياة الأخرى ، قال غيره والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة الدنيا ، وقيل إن المراد كنتم أمواتا في ظهر آدم عليه السّلام ثم أخرجكم من ظهره كالذر ثم يميتكم موت الدنيا ثم يبعثكم ، وقيل كنتم أمواتا أي نطفا في أصلاب الرجال ثم يحييكم حياة الدنيا ، ثم يميتكم بعد هذه الحياة ثم يحييكم في القبور ثم يميتكم فيها ثم يحييكم الحياة التي ليس بعدها موت ، قال القرطبي فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات وثلاث إحياءات ، وكونهم موتى في ظهر آدم وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفا في أصلاب الرجال ، فعلى هذا يجيء أربع موتات وأربع إحياءات ، وقد قيل إن اللّه أوجدهم قبل خلق آدم كالبهائم وأماتهم فيكون على هذا خمس موتات وخمس إحياءات ، وموتة سادسة للعصاة من أمة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم كما ورد في الحديث : « ولكن ناسا أصابتهم النار بذنوبهم فأماتهم اللّه إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن في الشفاعة فجيء بهم » إلى أن قال : « فينبتون نبات الحبة في حميل السيل » « 1 » وهو في الصحيح من حديث أبي سعيد . ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي تردون في الآخرة إلى اللّه سبحانه فيجازيكم بأعمالكم ، قال في الكشاف عطف الأول بالفاء وما بعده بثم ، لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 306 .